منوعات

المستحيل بقلم شاهندة

بدأت دموع هند في السقوط وهي تقول: العمارة وقعت وكان فيها خطيبها وقتها، محمد مات ياعادل وصفية في المستشفى عندها انهيار عصبي زي ماالدكتور بلغني دلوقت ولازم أروحلها وأبلغ خالتي قبل ماأروح وانا مش عارفة هعمل كدة ازاي؟ قالت جملتها الأخيرة وهي تجلس على السرير تنخرط في بكاء حار فأسرع يجثو أمامها يمسك بيدها قائلا: مش وقت انهيار ياهند، خالتك وصفية محتاجينلك، قومي معايا نروحلهم. أزمة وهتعدي. والحزن هو الشيء اللي بيتولد كبير وبعدين بيصغر.
طالعته بعيون حزينة وهي تقول: كل حزن ممكن يصغر الا حزن الفراق لحد بتحبه وروحك فيه، بتبقي نار قايدة بتشعلل بزيادة كل ماتفتكره.

انت جنبها هتخففي عليها حزنها، هتسنديهم زي مااتعودتي منهم يسندوكي. قومي ياهند خلينا نروح.
طالعته للحظة قبل أن تتمالك نفسها وتقرر أن تسمع كلامه وتصير سندا لعائلتها كما كانوا لها دوما، لتنهض معه وتستسلم ليده التي تقودها للخارج، تتمنى لو كانت حماتها قد خلدت للنوم فلا قبل لها بسماع كلمات تؤلمها أكثر. فهي الآن تتألم بما يكفي.
الفصل الثالث

عندما حان الفراق أحرقني الغياب، لا أصدق أنك فارقت الحياة وتركتني.
وعدتني أن تمسك يداي حتى فنائي، فتخليت عني وجعلتني وحيدة في هذا الكون البائس.
لكنك نسيت قبل أن تذهب أن تعلمني كيف السبيل إلى النسيان؟
كيف أكفكف مدامعي التي لا تنضب وكيف أطبطب على قلب مزقه الألم وأدمته الحسرة؟
كيف أبعد غصة حلقي فأستطيع التنفس دون ألم؟
رصاصات الذنب ترديني في بعادك.
تجبرني أن أتساءل. ماذا لو،؟

ماذا لو تركتك حدي ولم أرسلك بعيدا. هل كان المصير سيغدو مشرقا؟
أم أنه القدر أراد سلبي إياك على كل حال؟
سأعيش يقتلني الفراق حتى يحضرني الردي أو قد يصيبني الجنون فأصير للهذيان أسيرة. في كلتا الحالتين أشعر بالموت يحلق فوق رأسي وياللعجب أدرك أني حقا لا أبالي.
كانت تبكي بصوت متهدج أليم النبرات، تقول من بين شهقاتها: محمد مات وسابني لوحدي ياهند؟ سابني لوحدي.

قالت هند بألم: وحدي الله يا صفية. انت مؤمنة بربنا وعارفة ان الموت قضاء ربنا ولازم نرضا بقضائه.
انا السبب، كان عايز يوصلني وأنا اللي مرضيتش. قلتله خليك مع الراجل اللي بيدهن، لو كان جه معايا كان عاش. صدقيني ياهند أنا السبب. أنا المجرمة اللي سلمته بإيدي للموت.
ياصفية ده قدره. ساعته اللي ربنا كتبهاله، لو كان معاكي كان برضه هيموت. لكل أجل كتاب.

هزت صفية رأسها نفيا تقول من وسط دموعها: لأ انا السبب. صدقيني أنا السبب. أنا اللي قلتله خليك. أنا اللي قلتله خليك. أنا المجرمة صدقوني. أنا اللي قتلت محمد. انا اللي قتلته.
ظلت تردد هذه الكلمات بصوت مدوي، ليدلف كل من خالتها وزوجها إلى الحجرة فقالت هند بانفعال: انده الدكتور ياعادل. بسرعة. أسرع عادل يلبى طلبها بينما حاول كل من هند وخالتها تهدئة صفية حتى وصول الطبيب ليمنحها حقنة مهدئة تجعلها تذهب إلى سبات يريحها من هذا العذاب الذي تعانيه.

كانا يقفان خارج الحجرة ينتظران خروج الطبيب ليطمأنهم على حالة صفية بينما بقيت هند بالداخل ترفض الخروج معهم وتصر على المكوث معها، خرج الطبيب بعد لحظات يخبرهم أنها من الأفضل لو تتابع مع طبيب نفسي ثم انصرف فجلست الأم تبكي بحرقة قائلة: ياحبيبتي ياضنايا، مكتوبلك الهم ده كله فين؟
ربت عادل علي كتفها قائلا: وحدي الله ياست نبيلة، ده قدر ومكتوب.

لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله. اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
ظهرت هند على أعتاب الحجرة شاحبة الوجه فاقترب منها عادل يقطب حاجبيه قلقا وهو يقول: مالك ياهند وشك أصفر كدة ليه؟ صفية كويسة؟
انتبهت الخالة فأسرعت إلى هند تقول بقلق: صفية مالها ياهند؟ ردي علينا يابنتي.
قالت هند بصوت واهن: صفية كويسة متقلقوش، من ساعة ماخدت الحقنة وهي نايمة. أنا بس…

صمتت فاستحثها عادل قائلا: انت إيه؟ مالك ياهند؟
مش عارفة ياعادل، دايخة وحاسة روحي بتنسحب مني وألم رهيب في دماغي و جسمي…
لم تكمل كلماتها والدنيا تسود أمام عينيها، لتسقط مغشيا عليها فالتقطها عادل بين ذراعيه بينما خالتها تصرخ بلوعة.

مغمضة العينان تسمع همهمات جوارها، تحاول أن تفتح عيناها ولكنها تجد صعوبة في ذلك، نيران في عمودها الفقري تحرقها، ترغب في أن تنقلب على جانبها فلا تستطيع أيضا، وجنتاها رطبتين تشعر بأنامل لا تخصها تمسح شيئا من على وجهها، الأصوات لم تعد همهمات بل صارت أكثر وضوحا، انها خالتها تقول بألم: ياعيني عليكم يابناتي، عين وصابتكم. دي بتبكي ياحبة عيني وهي نايمة.

صوت زوجها يقول: خلاص ياست نبيلة، ملوش لزوم البكا دلوقتي. شوية أنيميا وضغط واطي زي ماقال الدكتور، واهي خدت المحلول وهتبقى زي الفل.
والله الدكتور ده مابيفهم حاجة. تحاليل ايه اللي عملهالها دي؟ هو تحليل واحد اللي كان مفروض تعمله.
تحليل ايه ده بقى إن شاء الله؟
تحليل حمل.
همس قائلا: حمل ايه بس؟ هو احنا لحقنا.
بتقول حاجة ياعادل؟
ها. لأ مبقولش. استنى كدة باينها بتفوق.

نظرت الخالة إلى وجه هند لتجدها بالفعل تحاول فتح عيونها حتى استطاعت فزفرت الخالة بارتياح قائلة: ياما انت كريم يارب. حمد الله على سلامتك ياهند.
قالت هند بوهن: الله يسلمك ياخالتي.
قال عادل بحنان: عاملة ايه دلوقتي ياحبيبتي؟ حاسة بحاجة؟ أندهلك الدكتور؟
ملوش لزوم. هو بس ألم في ضهري وهيروح لحاله، الظاهر من الوقفة. صحيح صفية أخبارها إيه؟

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى